الصفحة الرئيسية   تماس با ما   خارطة الموقع   انگليسي   فارسي   اردو  



 تأثير الدين في مختلف مستويات الثقافة

باعتمادنا على النظرية المختارة المبينة للعلاقة بين الدين والثقافة نستطيع أن نبين بشكل ملموس وصريح كيفية تأثير الدين في هندسة ثقافة البلاد ولأجل هذا الهدف يجب أن نميز بداية بين المستويات المختلفة للثقافة كي نميز مجال عمل هذه الهندسة.

إن التقسيم المقترح يقسم الثقافة إلى مستويات أو أنواع ثلاثة هي كالآتي:

1-  الثقافة العامة 2- الثقافة التخصصية 3- الثقافة البنيوية.

قبل أن نتحدث في العلاقة بين المستويات المختلفة للثقافة يجب أن نعطي بعض التوضيحات اللازمة لكل منها .

 1/2- الثقافة العامة

ألف) تعريف الثقافة العامة

يمكن أن يكون للثقافة العامة في أدبيات علم الاجتماع وعلم الثقافة معان مختلفة. أحياناً يستخدم مصطلح الثقافة العامة في مقابل الثقافة المجزأة. الثقافة العامة تعني أن هذه الثقافة مقبولة من جميع أفراد المجتمع. أما الثقافة الجزئية هي ما تم قبوله من قبل شريحة خاصة أو مجموعة  قومية أو أقلية دينية خاصة.

وفريق آخر جعل الثقافة العامة في مقابل الثقافة الرسمية. الثقافة الرسمية هي الثقافة التي تحميها الدولة ونظام الحكم وتقومالدولة بشكل قهري بالإجبارعلى أ التقيد بها وفي حال عدم الالتزام بها تقوم الدولة بإنزال الجزاء بحق من لم يلتزم بها أما الثقافة العامة فهي ما نبع من الذات و من دون إعمال القانون ولها استمراريتها.

أما مصطلح الثقافة العامة في بحثنا الحالي فليس في مقابل الثقافة الجزئية أو في مقابل الثقافة الرسمية بل في مقابل الثقافة التخصصية. الثقافة العامة هي مجموعة الاحتياجات الثقافية التي يواجهها جميع الناس في المجتمع ويحتاجون إليها. الثقافة العامة هي جانب من الثقافة يكون المنتجون والمستهلكون فيها هم جميع الناس في المجتمع وهذا بغض النظر عن ارتباطهم بطبقة اجتماعية خاصة أو مستواهم الدراسي أو عملهم. الآداب والمعاشرة ومراعاة حقوق الآخرين والنظام والضمير العملي والانضباط الاجتماعي وأمور كهذه تندرج ضمن هذا النوع من الثقافة.

ب) تأثير المعارف الإسلامية في الثقافة العامة

إذا مررنا على عناوين الروايات المذكورة بهذا الخصوص نرى بشكل قاطع التأثير الأساسي والمحدد للمعارف الإسلامية على ساحة الثقافة العامة. إن هذه المعارف سواء عن طريق غير مباشر بتقوية الإيمان والتقوى واليقين في الفرد أو بشكل مباشر عن طريق تحديد طريقة التصرف والتعامل مع الآخرين أو المسائل والأحداث المرتبطة بالحياة تخلق القدرة على صناعة الثقافة العامة الجامعة والنورانية.

2/2- الثقافة التخصصية

ألف) تعريف الثقافة التخصصية

بعد الثقافة العامة تأتي الثقافة التخصصية في المستوى الثاني من الثقافة في المجتمع. إن الثقافة التخصصية هي عبارة عن الركائز والاعتقادات الاجتماعية التي يكون منتجوها ومستهلكوها أشخاصاً محددين في المجتمع لهم مستوى تعليمي وثقافي عال. المعلومات التخصصية هي معلومات يحتاجها عدد أقل من الناس وكذلك فإن عدداً قليلاً من الناس يمكنهم الوصول إليها.

إن مجموعة المعلومات التخصصية تشكل بمجموعها الثقافة التخصصية للمجتمع وبشكل كلي تتيح الإجابة عن المشاكل والمعضلات المعقدة أكثر في المجتمع.    

إن الانتباه للعلاقة بين العلم والثقافة في المجتمع ومدى تأثير العلوم التخصصية يظهر أهمية العلم في تشكيل طبقة هامة من الثقافة. العلم يبني الثقافة لأنه يخلق ثوابت ويصبح معياراً للقيم وتحديد ما هو سويوغير سوي في المجتمع.

ب) تأثير الدين في الثقافة التخصصية

بما أن دراسة ارتباط الدين مع كل فرع من العلوم هو بحث كبير وخارج عن هدف هذا الكتاب فإننا مثل بعض أصحاب الفكر وبدون الولوج إلى ساحة علم خاص سوف نبحث بشكل عام حول العلاقة بين الدين والعلم وسوف سوف نجمل بحثنا حول هذه العلاقة.

لقد تم التحدث كثيراً عن العلاقة بين الدين والعلم ويمكننا تلخيص جل ما تم التوصل إليه في هذا المجال في ثلاثة مناح هي كالآتي: اولاً: المنحى الذي يصر على الفصل بين الدين والعلم ويسعى باقتراحات عديدة للحفاظ على هذا الفصل. ثانياً: المنحى القائل بالتضاد بين الدين والعلم وثالثاً: المنحى القائل بالتكامل بين الدين والعلم.

إذا قبلنا مقولة الفصل بين الدين والعلم يجب بشكل طبيعي أن نغلق ملف أن الثقافة التخصصية تتأثر بالثقافة الدينية أو بالعكس أما في حال تبني التعارض بينهمافيجب إعلان وقف الحرب بشكل آخر وهو أن اجتماع الثقافة الدينية والثقافة العلمية لا يبني ثقافة بل يحرق الثقافة. حتى إنه من الممكن أن يخلق التعارض والجدل بين صانعي الثقافة في المجتمع. وفي النهاية إذا تم قبول الارتباط الإيجابي بين العلم والدين عندها يمككنا التحدث عن أن هذه الثقافة التخصصية تتقبل الدين أو لا تتقبله.

النهج الذي يدافع عنه بخصوص العلاقة بين العلم والدين هو العلاقة الإيجابية بين العلم والدين ويمكن البحث والدراسة فيها على عدة مستويات وأشكال. إن قسماً من الباحثين يعتقدأن تأثير الدين في العلم يأتي عن طريق الترغيب في التعلم والتوصية باكتساب ونشر العلم. الإسلام لا يضع أي حدود مكانية أو زمانية من أجل طلب العلم وعلى الإنسان المسلم أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد. الإسلام يعتقد بأن الحكمة والمعرفة هي ضالة المؤمن وأن اكتساب  العلم فريضة وأن جلسات العلم هي أفضل العبادات وأن مداد العلماء خير من دماء  الشهداء.

إن الشكل الأدق والأعمق للعلاقة بين العلم والدين نستطيع أن نبحث عنها في التأثير المفهومي المتقابل بين علم الإلهيات والدين بخاصة ولكن هناك من يضع الدين والعلم في علاقتهما المفهومية في نفس المستوى وكتأثير وتأثر العلوم المختلفة بعضها ببعض يقبل تأثير الإلهيات في العلم وتأثرها به.

إنه لمن الطبيعي وبناء على هذه الرؤية فإن علاقة العلم والدين سوف تكون أقرب وعلمية أكثر ولكن المسألة القابلة للتأمل في هذا النمط الفكري هي الاعتقاد بالتشابه بين تأثير الدين في العلم وتأثره به وبين تأثير وتأثر العلوم المختلفة بعضها ببعض.

في النظرية المتكاملة أكثر حول علاقة وارتباط الدين بالعلم يمكننا دراسة تأثير العلم في الدين على الأقل من زاويتين هي كالآتي: 1- من زاوية علم اجتماع العلوم 2- من زاوية علم مناهج العلوم.

من زاوية علم اجتماع العلوم يقوم الدين بالتأثير على مستقبل العلم عن طريق التصرف بالأهداف والدوافع والمقاصد التي يبحث عنها علماء الدين في دراساتهم.

إن إنتاج العلم ينبع من الدوافع والحاجات التي إذا قمنا بدمجها بعضها مع البعض سوف يظهر لدينا نظام الدوافع والحاجات الذي إذا ترافق مع رؤية اجتماعية نستطيع عندها أن نعتبر أن نظام الحاجات الاجتماعية الذي هو على طريق تحقيق الشعارات والأهداف الإسلامية أنه هو مولد العلم الديني.

من زاوية علم مناهج العلوم: بالانتباه إلى أن المعادلات العلمية تنشأ بناء على الفرضيات العلمية والفرضيات لها أصول موضوعة لا يتم إثباتها في تلك الفرضية يمكننا بتتبع تبويب وتصنيف العلوم وسلسلة الأصول الموضوعة أن نصل إلى النتيجة الآتية ألا وهي أن الأصول الموضوعة المرجعية والأساسية في العلوم يجب أن تبنى على رؤية الإنسان لوجود الله والمبدأ والمعاد. لذلك بتأثير الدين على الأصول الموضوعة للنظريات العلمية يمكننا أن نتوقع تغييرات في محتوى النظريات العلمية. وربما بهذه الطريقة سوف يكون معيار صحة المعادلات العلمية متناسباً مع انسجامها والمثل والأهداف المحددة من قبل  الدين[1]

3/2-  الثقافة البنيوية        

ألف) معنى الثقافة البنيوية

الطبقة الثالثة الأعمق في طبقات الثقافة حسب التصنيف المقترح هي (الثقافة البنيوية).

في المصطلح الذي نريده ( الثقافة البنيوية ) هي عبارة عن مفاهيم وثوابت لها عمق أكبر إذا ما قورنت بالثقافة العامة والثقافة التخصصية بخاصة وهي تعتبر أساس ومبنا للثقافة التخصصية والعامة وبعبارة أخرى بالإجابة عن سؤالنا وهو كيف تثمر الثقافة التخصصية وتتخذ اتجاه تحولاتها يمكننا التوصل إلى أهمية وضرورة الثقافة البنيوية. (الثقافة البنيوية) هي مجموعة من الأمور التي تؤمن الأسباب الموجبة للتطور والتنمية في الثقافة التخصصية للمجتمع.

بناء على المعيار الذي عرض فيما يخص تمييز الثقافة العامة عن الثقافة التخصصية يمكننا عطف المصاديق المهمة و البارزة للثقافة البنيوية إلى مجال الفلسفة والطرائق. في السنوات الأخيرة تم التركيز على (الفلسفات المضافة) إلى جانب الفلسفة العامة بسبب أهميتها في العلوم الأولية. لذلك أصبحنا نواجه عناوين مثل فلسفة الأخلاق وفلسفة الفقه وفلسفة الدين وفلسفة الفيزياء وفلسفة الطبيعة وفلسفة الرياضيات وفلسفة الفن وفلسفة الحقوق وفلسفة التربية والتعليم وفلسفة الطب وأمثالها من الفلسفات. إن انفصال مجموعة من الأبحاث عن هذه العلوم تحت هذه العناوين والمسميات من بنية تلك العلوم والعلوم المشابهة هي بشكل دقيق بسبب أنه يشار فيها إلى النظريات والمفاهيم البنيوية لهذه العلوم.

وفي مجال الطرائق فإن القضية هي أيضاً على هذا المنوال. فمن أجل إثبات بنيوية البحث عن طريق المناهج من المهم توضيح الأمر الآتي وهو أن إنتاج العلوم وخاصة في الدنيا المعاصرة يجري بصورة ممنهجة. لقد ولى العصر الذي كانت العلوم تحصل بطريقة غير مقصودة وبالتجارب الشخصية والبسيطة. لذلك فإن واحداً من الأبحاث المهمة في فلسفة العلم في العصر الحالي هو بحث طرائق إنتاج المعرفة.

ب) تأثير الدين في الثقافة البنيوية

المسألة الأخرى هي العلاقة بين الدين والثقافة البنيوية للمجتمع. لدى البحث في ارتباط الدين مع جميع المواضيع البنيوية والتي تشكل الثقافة البنيوية للمجتمع نجد أنه بحث واسع وطويل والذي يحتاج كل جزء منه إلى تخصصات ورغبة خاصة. لذلك نكتفي بالإشارة إلى بعض المواضيع.

-        الدين والفلسفة: فيما يخص العلاقة بين الدين والفلسفة ومثل مواضيع كثيرة من هذا القبيل تقوم الأفكار المختلفة بمنافسة بعضها بعضاً ويصر بعض المنظرين على عدم وجود أي ارتباط بين الدين والفلسفة.

في المقابل هناك عدد آخر يؤكد على تعلق وارتباط كل من الدين والفلسفة بعضها ببعض.

إن الفلسفة من دون الدين ستغرق في وادي الصورية المطلقة الخاص بها والدين من دون الفلسفة  لن يحفظ من شر التعنت والظلامية.1

في مجال الفلسفة الإسلامية تم التوجه لهذه المسألة بشكل أكثر تطوراً. في أحدى الأبحاث التي تم إجراؤها تم توضيح كيفية إمكان تحقيق أن الفلسفة الإسلامية  تستطيع التأثير في الفلسفة بشكل إيجابي من أربعة جوانب هي كالآتي:

1-    التأثير في التوجيه.

2-    التأثير في طرح قضية ما أو مجال جمع المعطيات.

3-    التأثير في إبداع الاستدلال.

4-    التأثير في معالجة الخطأ.

إذا كان لب وجوهر الفلسفة هي العقلانية المنسقة والمرتبة الجارية في قواعد الفلسفة ومن جهة أخرى تم الدراسة والبحث في الارتباط الوثيق بين العقل والإيمان عندها نستطيع أن نستنتج أن العقلانية المرتكزة على الإيمان تستطيع أن تجري العقلانية الإسلامية على الأحكام الفلسفية. طبعاً هذا الأمر لا  يقتضي بالضرورة أن تصبح المعارف الآتية عن طريق الوحي هي الحاكمة والمقومة للقضايا الفلسفية بل تصبح العقلانية الحاكمة في الفلسفة متناغمة مع التعاليم الدينية.

-        الدين وفلسفة الأخلاق: من الفلسفات المضافة فلسفة الأخلاق والتي تحدد لنا جذور ما نستطيع أن نعتبره من الأخلاق. حيث تجيبنا عن سؤال ما هو منشأ الخير والشر والجمال والقبح في المجتمات المختلفة وهل يمكن اعتبار الدين منطلقاً للأخلاق أو أن الدين هو بحد ذاته خاضع للقوانين والأصول الأخلاقية وهل هناك تعارض بين الدين والالتزام الأخلاقيوهل يمكن تحديد مجالين منفصلين لكل من الدين و الأخلاق و...ولقد تم إعطاء إجابات مختلفة للأسئلة المذكورة أعلاه.

-         الدين وبناء الطرائق: إن علاقة الإسلام ( ببناء الطرائق ) في المجالات المختلفة هي من القضايا الصعبة والمؤثرة في العلوم التي تعتمد على الطرائق المذكورة و إن تأثير الإسلام على طرائق الاستنباط الديني تتعرض لمصاعب مشابهة لتأثير الإسلام على الفلسفة.

في مناهجالعلوم الجامعية سواءً الطبيعية منها أو الإنسانية هذه المسألة يتم بحثها والتي سوف تم البحث فيها بالتفصيل في موضعها.[2]

بالعودة للتعاريف  والمصاديق التي ذكرت فيما يخص الثقافة العامة والتخصصية والبنيوية تصبح العلاقة بين هذه الأنواع الثلاثة من الثقافة واضحة. من الطبيعي أن يكون للثقافة البنيوية بالنسبة للثقافة التخصصية وللثقافة التخصصية بالنسبة للثقافة العامة تأثير ودور أكبر. مع العلم أنه على الصعيد الكمي والشيوع والانتشار الكمي فإن مجال الثقافة العامة بالنسبة للثقافة التخصصية والثقافة التخصصية بالنسبة للثقافة البنيوية هو أوسع وأكبر. لهذا السبب في التحولات الثقافية يجب أن نبحث إلى حد ما عن التغييرات في الثقافة العامة في تحولات الثقافة التخصصية وأن نبحث عن التحولات في الثقافة التخصصية في التغييرات الحادثة في الثقافة البنيوية.

لن تتم الهندسة الثقافية سوى بانتظام وتنسيق الطبقات الثقافية بعضها مع بعض وعلى محورية التعاليم الإسلامية. ها الأمر يحتاج إلى الارتقاء بالأبحاث الدينية من جهة وإيجاد وسائل تأثير الدين في الطبقات الثقافية الثلاث من جهة أخرى.


 

[1]. تفاصيل أكثر حول هذه المواضيع تجدها في كتاب العلاقة المنطقية بين الدين والعلوم التطبيقية لنفس هذا المؤلف، جاءت في الرسالة الأولى والثالثة، دار نشر أمير كبير.

[2]. ميرتشا الإلياذة، الثقافة والدين، هيئة المترجمين

 

 

 


@جميع حقوق هذا الموقع محفوظة و مملوكة للمجلس الأعلي للثورة الثقافية