الصفحة الرئيسية   تماس با ما   خارطة الموقع   انگليسي   فارسي   اردو  
الهندسةالثقافية > دور الدين في الهندسة الثقافية للبلاد > التنظير في مجال العلاقة بين الدين والثقافة

التنظير في مجال العلاقة بين الدين والثقافة


 
 1-   مجال العلاقة بين الدين والثقافة

1\1- الدين هو نتيجة للثقافة

إحدى النظريات المطروحة بالنسبة للدين والثقافة هي أن الدين هو حصيلة للثقافة الخاصة بالمجتمع ووليد لها. وعلى أساس هذه النظرية إن الثقافة هي وليدة التحولات الاجتماعية. والدين هو واحد من المؤسسات المنتمية للثقافة وصنيع لها. فالبشرية هي من قامت بصناعة الدين وصياغته لتحظى بحياة أفضل وأكثر هدوءاً وتسعى لتأمين احتياجاتها التي لا يمكن تأمينها من مكان آخر. ونتيجة لذلك لا يمارس الدين في هذه الحالة دور الهادي والموجه للثقافة، بل يبدو في خدمة الثقافة وهي بدورها تتبع رغبات البشر أو إرادة أصحاب السلطة والثروة.

وعلى أساس التوجه الاشتراكي فإن التغييرات الاجتماعية تتبع المراحل المتتابعة التالية:  المجتمع الاشتراكي الأول، فالعبودية، فالاقطاعية، فالبرجوازية (الرأسمالية)، فالاشتراكية وفي النهاية المجتمع المتحرر من الطبقية أو ما يسمى المجتمع الشيوعي. إن مسير المجتمع كما ذكرناه في الأعلى يجري تبعاً للجبر ويتبع التطور التقني والتحولات في علاقات الإنتاج. ومن الطبيعي أن تبقى ثقافة المجتمع بناءً على هذه الرؤية تحت سيطرة العلاقات الاجتماعية المتغيرة ويشوبها نوع من التغيير والتحول، ولن يكون للدين أي دور فاعل وحسب بل سيكون حصيلة لتحولات تطرأ على هذه العلاقات أيضاً.

"آغ برن ونيم كف" يعتقدان بأن "ما يدرك من دراسة جميع الأديان، أنها أولاً نابعةمن المؤسسات الاجتماعية القديمة، ثانياً ترتبط المفاهيم والمقولات والعادات والتقاليد الخاصة بأي دين بمقتضيات المجتمع الذي يولد فيه."[1]

إذا آمنا بالتعددية ذات المحورية الفردية في التحولات وفي كيفية ظهور التغييرات الثقافية أيضاً فلن يكون للدين أي دور أساسي في ماهية الثقافة ونوعها. وإذا كنا ممن يقول بأن الدين هو صياغة بشرية فسيكون الوصول إلى هذه النتيجة قطعياً أما إذا كنا ممن يقول بأن الدين هو دين توحيدي وقمنا بسلب البعد الاجتماعي منه (نظراً لأن الثقافة مقولة اجتماعية) فإننا سنحجّم تأثير الدين في إيجاد الثقافة بشكل كبير.

إن الدين والله في الحقيقة ليسا إلا تجليات لاحتياجات المجتمع. هذا التوجه هو حصيلة نظرية "إميل دوركايم" القائلة بالمجتمع التوليدي. لذلك فإن نظرية دوركايم حول الدين والطوطميةهي حجر الأساس لعلم اجتماع المعرفة لديه.[2]

ولعل هذه الأفكار إلى جانب الأفكار الأخرى التي تقبل بالأديان الأخرى ذات الجذور التوحيدية لكنها تحدها بالأطار الاجتماعي باتت الأساس والمبدأ العام لهذه الفكرة بأن يُحد الدين بالمؤسسة الاجتماعية.

والمؤسسات تعتبر من العناصر المؤسسة للمجتمع ولها ميزاتها الخاصة بأنها: 1- لا تعتمد على إرادة الأفراد. 2- تتحكم بسلوك البشر. 3- دائمية وعامة بمعنى أنها موجودة في جميع المجتمعات وبشكل دائم. 4- متحولة وفاعلة بمعنى أنها تتقبل التغيير والتحول بالتناسب مع تنمية المجتمع البشري. 5- تؤمن احتياجات الأفراد.

كما إن طبيعة الإنسان وحاجته الاجتماعية الماسة أوجدت المؤسسات ومثالاً على ذلك [استناداً لإحدى الرؤى] إن طبيعة الإنسان هي من أوجدت العائلة وحاجته للأمن الاجتماعي أيضا أوجدت مؤسسة الحكومة.[3]

وبهذا التوضيح حول المؤسسة يبدو من الطبيعي قبول الدين كمؤسسة اجتماعية لا يتطابق إلا مع الفكر الإلحادي كنظرية دوركايم حول علم الاجتماع.

وعلى هذا فإن الثقافة لن يكون لها حضور جذري إلا في عمل الإنسان ولن يكون هناك حاجة للدين في تشكّل الثقافة.

وإذا ألقينا نظرة على النظريات الخاصة بتاريخ التحولات الاجتماعية التي عرضها بعض المفكرين الغربيين نرى حالة من عدم حضور الدين في التحولات الثقافية والاجتماعية بشكل ملموس.

"أوغست كونت" يعرض ثلاث مراحل خاصة بهذا الشأن. ويحلل المسار التكاملي للبشر على أساسها وهي: من المرحلة اللغوية إلى المرحلة المتافيزيقية (ماوراء الطبيعة) وفي النهاية تصل إلى المرحلة الإثباتية[4].

وقد حلل بعض المفكرين الثقافة من زاوية أخرى بما يشهد على فصل الدين عن الثقافة فيما يعتقدونه. "هافستد" يعرض أربعة أبعاد قيمية يمكن من خلالها مقارنة التباين الثقافي بين الشعوب والبلاد. أو القيام بإدراكها. هذه الأبعاد هي عبارة عن:

1-   السلطة والمسافة التي تفصلها

2-   الابتعاد عن المجهولات

3-   النزعة الفردية والجماعية

4-   الذكورة والأنوثة[5]

لكن ما يهمنا في هذا المقال أنه لا يشاهد في نظرية هافستد – كباقي المنظرين الغربيين- أي دور للدين أو مكانة في ظهور الوضع الثقافي وتحولاته وتقويمه. ويمكن القول أنه لا يعير أية أهمية لهذه القضية.

2/1- الدين عاملاً في بناء الثقافة

النظرة الثانية إلى علاقة الدين والثقافة ترى أن هذه العلاقة هي بشكل عرضي وأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين كلا المفهومين. أي أن الدين له أثر في بناء الثقافة وأن الثقافة لها أثر في الدين أو على الأقل لها تأثير في معرفة الدين. لذا وبناء على هذه النظرة تكون الثقافة مؤلفة من أجزاء مختلفة واحد منها هو الدين. العادات والتقاليد والتصرفات والمؤسسات والقيم والفن والخط واللغة وأمور كهذه تشكل بمجموعها ثقافة بلد من البلاد.

النقطة المهمة في هذا الموضوع هي أن نعرف ما هي الرؤية الثقافية أو الدينية المؤسسة لهذه النظرية التي ترسم العلاقة بين الدين والثقافة. وإنه لا يمكن لمثل هذا النمط من المنظرين أن يحدد آفاقاً أوسع من المجال الأخروي والفردي للدين.

الاعتقاد بالآخرة على المستوى الفردي يركز على أن الهدف من بعثة ورسالة الأنبياء هو التنبيه بوجود الآخرة والحض على تهذيب الأنفس من أجل الاستعداد للدخول لعالم الآخرة والوصول للجنة الموعودة. هذا النوع من التفكير نستطيع تلمسه في تاريخ الفكر الممتد من القدماء إلى بعض المتنورين المعاصرين حيث نستطيع أن نضع (الفخر الرازي) ضمن هذه المجموعة من المفكرين[6].

لقد استمر بعض المتنورين المعاصرين بهذا النمط الفكري ومنهم المرحوم (بازرجان). كذلك[7] فإن (عبد الكريم سروش) وبافتراضه أن الدين قد جاء للبشر وأن عليه أن يجيب عن عدد من حاجاتهم – وهو لم يستطع أن يجيب عنها- لذلك وجواباً عن فلسفة نزول الدين يحدد مهمة الأخير بتأمين السعادة الأخروية فقط[8].

هذا النمط الفكري كان له جذور مشابهة في العالم المسيحي وقد حظي بالقبول لديهم. فهذا (البروفيسور كلافال) وهو شخص كاثوليكي يعتقد بأن الدين هو عبارة عن انعكاس لقلق عميق جداً. (في مختلف أصقاع العالم حيث قمت بأبحاثي وجدت بأن الدين نابع من انعدام الطمأنينة العميق الذي يشعر به الإنسان في هذه الدنيا وفي الحقيقة فإن الدين هو جواب لانعدام الطمأنينة الداخلي للإنسان)[9].

على أي حال إن الرؤية التي تتوجه إلى المعنويات في المسيحية أو النمط الفكري المتكامل لهذه الرؤية كما هو مطروح في الإسلام هو بالتأكيد يتناول قسماً من غايات ورسالة الدين ولكن أن تحصر جميع أهداف وغايات الدين في هذا الأمر فهو أمر يحتاج إلى التأمل.

في مجال علم الثقافة إن اعتقدنا بالكثرة والتنوع الفردي - أي أن الأشخاص يخلقون الثقافة بحسب ميولهم الخاصة - إلى جانب المبنى المذكور أعلاه في معرفة الدين فإن أكثر ما يمكن أن نعتقده بتأثير للدين في بناء الثقافة هو أنه ( يقوم الدين بما

يوجده من رؤى واعتقادات خاصة في نطاق الحياة المعنوية والفردية للبشر بخلق مقاومات فيه لكي يستطيع الولوج إلى المجتمع) أو أن يؤثر بشكل نسبي في تشكيل التوجهات والتصرفات الفردية.

عندما يصبح الدين في مستوى واحد مع بقية العوامل مثل الفن والأدب واللغة وتاريخ الحضارة وقواعد الزواج والعلاقات الاقتصادية والفن والعادات والتقاليد والمعلومات والظروف المادية لن يكون هناك أي إشراف لذلك الدين على بقية العوامل ولن تعرف باقي العوامل بمحورية الدين. هذه النظرية لم تطرح فقط بين المفكرين الغربيين بل إنها من النظريات المهمة والمتداولة بينالمفكرين الإسلاميين. عند البحث عن جذور هذه النظرية نستطيع أن ننتبه لأمرين اثنين. الأول: النظرة الناقصة لتأثير الدين في الحياة الإنسانية. الثاني: عدم النظرة المعمقة في تحليل الثقافة.

لا نستطيع أن نقبل بأن هناك مثل هذه المحدودية لدور الدين في مجال الثقافة إلا إذا قبلنا أن الدين ليس هو الحاضن لتكامل البشر في جميع مناحيه وشؤونه.

المسألة الأخرى هي أنه على الرغم من أنه يمكننا على حسب رأي هؤلاء الأشخاص أن نستنبط بأن الثقافة هي مجموعة العادات والتقاليد والتصرفات والمثل والأفكار والرؤى الكونية والقيم وأشياء من هذا القبيل إلا أنه لم يتم أي بحث وتحليل جدي لكيفية ظهور هذه المجموعة من العادات والتقاليد والقيم.

3/1- الدين منشأً لبناء الثقافة

إن هناك تلازماً منطقياً بين قبولنا للنظرية الأمتن في علم الدين وعلم الثقافة وبين قبولنا بأن هناك علاقة خاصة مختلفة بين الدين والثقافة.يجب أن ننوه بأن هذه النظريات وبناء على الأسس التي تم بحثها سوف تكون ثابتة ومعللة بشكل كامل. 

في هذه النظرية الدين هو الحاضن للبشر في جميع أمورهم الفردية والاجتماعية والتاريخية وإنه يلزم لمثل هذا الاحتضان أن يقوم الدين بوضع جميع تعاليمه في خدمة أتباع الأديان الإلهية ( خاصة الإسلام ) ليرسموا بها الاعتقادات والقيم والتصرفات الإنسانية وبذلك يفتح طريق السعادة والكمال أمام المؤمنين.

من جهة أخرى فإن الثقافة هي عبارة عن مجموعة من الاعتقادات المقبولة في المجالات الأخلاقية والقيمية  والاعتقادية. لذلك نجد أن هناك قرابة وتقارباً لصيقاً بين المجال الديني والثقافي. إن نظام المعتقدات الاجتماعية هو في طور التكامل وفي طريق تكاملها (يتوقع) تكون تبعية الناس وتولي أولياء الله ونظام الولاية الإلهية على مستوى الفرد والمجتمع أمراً ضرورياً وأساساً لتطور الثقافة في المجتمع.

و تذكر ثلاثة جوانب لابد من المصادقة عليها لدور الدين في جميع مناحي بناء الثقافة:

الأول: ألا يكون لدينا تفسير جامد للدين وألا يقتصر فهمه على زمان خاص.

الثاني: الاعتقاد بتكامل ظاهرة الثقافة وإسهام إرادة الناس فيها.

الثالث: توضيح صحيح ومنطقي للعلاقة بين الثقافة المتغيرة والدين الثابت بناء على المعلومات المذكورة. طبعاً من الجدير بالذكر أن تأثير الدين في المستويات المختلفة للثقافة ليس على نحو واحد وفي بعض الحالات وبحسب الظاهر يمكن تقبل  تأثير الثقافة القومية أو الوطنية للمجتمع ولكن الواقع أن تلك العادات والتقاليد لا بد أن تذوب في أنموذج قيمي وعملي أسمى.

بذلك تكون الهندسة الثقافية للمجتمع المبنية على هذا الفكر هي عبارة عن الحصول على طرق الاستفادة من الأصول والقيم الإسلامية  وتجلياتها في حياة المجتمع الإسلامي في أزمنة وأمكنة مختلفة وبأساليب وأدوات مختلفة وبعبارة أخرى نجد أن إحياء الثقافة الإسلامية هو بمعنى التكامل المستمر والمتواصل ومن غير توقف في السير إلى الله والهندسة الثقافية هي الطريق للوصول لذلك الهدف العظيم.

يستطيع الإسلام أن يحمل هذه المعاني، والإسلام له قابلية الحياة والتكامل لأن كتابه السماوي موجود وسنة نبيه موجودة وهذه الأمور موجودة بشكل حيوي. بمعنى أن الدنيا لم تستطع أن تأتي بأفضل منهما. الإسلام حي بحد ذاته و مبناه وأساسه حي أيضاً. إذا النقص هو عند المسلمين أنفسهم. أي أن أفكار المسلمين وطريقة تلقي المسلمين للإسلام لم تكن حيوية[10]. وبما أن التعاليم الإسلامية قد حوت كلاً من طرق التعامل مع الآخرين ورعاية الأنظمة والانضباط ومراعاة حقوق الآخرين في التجارة وآداب الزواج والطلاق وميل الناس بعضهم إلى بعض والسياسة والحكومة والإدارة وشؤون البيت والنظافة والصحة والمدنية والصناعة و....أموراً جديدة. يملك الدين أوامر سماوية خاصة بها في جميع المجالات مثل الحدود والديات والقصاص والتعزيرات والشهادات والوصية والإرث والقرض والدين والتعاون والإحسان والانفاق وجميع أحكام ومسائل شؤون الحياة وطرق العلاقات الاجتماعية. لذلك لا يلزم من قبول الإسلام سوى النقض النسبي للثقافة السابقة والالتزام بالتعاليم الإسلامية.

أما النقطة التي هي المانع من قبول هذه النظرية وتؤكد على أن العلاقة بين الدين والثقافة هي عرضية (لا طولية)فترى أن بعض العوامل والمظاهر الثقافية  بعيدة عن وصول نطاق الدين إليها. ويمكن لبعض العواملالجغرافية والإثنية والقومية  أن تنضوي تحت هذه المقولة.

من أجل إعطاء حلول للملاحظات أعلاه يجب التنبيه إلى أمرين: الأول هو أننا لا نستطيع أن ننكر حضور وتأثير الدين في تشكيل المزاج والنفسية والأفكار وفي النهاية ثقافة المجتمع وكذلك أن نتغاضى عن دوره في سعادة وكمال الإنسان. الثاني هو أنه لا يجب أن يكون تأثير الدين بمعنى إلغاء الثقافة القديمة برمتها وبناء شيء جديد بل يمكن أن يتم الاستفادة من الثقافة السابقة.

على كل حال فإن الثقافة هي نتاج الإرادة وتعامل البشر بعضهم مع بعض ويستطيع الإسلام بما يملكه من تعاليم تبعث الحياة والروح في مختلف مناحي الحياة المادية والمعنوية  وعن طريق تربية الإنسان الطالب للكمال أن يكون له دور في مختلف مراحل بناء الثقافة.


[1]. آغ برن ونيم كف، مجال علم الاجتماع، مقتبس من ا.ح. أريان بور، ص 430

[2]. راجع: ريمون أرون، المراحل الفكرية الأساسية في علم الاجتماع، ترجمة باقر برهام، ص 375- 386، كذلك: ليفايس، كوزر، سيرة عظماء علم الاجتماع وأفكارهم، ترجمة محمد محسن ثلاثي، ص 200.

[3]. مركز الإبحاث الإسلامية، علم السكان الثقافي، عام 2003، ص 107 – 109

[4]. منصور وثوقي؛ علي أكبر نيكخلق، أسس علم الاجتماع، ص 248

[5]. مسعود موحدي، تحديد خصائص الثقافة الوطنية – الإسلامية؛ الفصل الثالث، ص 74.

[6].  الفخرالرازي،التفسيرالكبير،مفاتيحالغيب،ج17،ص93.

[7]. مهدي بازركان، الآخرة والهدف من بعثة الأنبياء، ص 37.

[8].عبدالكريمسروش،المداراةوالإدارة،ص200.

[9]. محمود أصغري، فكر الحوزة، الدين، التوسعة، العدالة، السنة السابعة، الإصدار الثاني، ص36 و38.

[10]. مرتضى مطهري، إحياء الفكر الإسلامي، ص17 و18، ( منقول من المصدر السابق، ص2 )


@جميع حقوق هذا الموقع محفوظة و مملوكة للمجلس الأعلي للثورة الثقافية