الصفحة الرئيسية   تماس با ما   خارطة الموقع   انگليسي   فارسي   اردو  

آثار محورية الدين في الثقافة


 آثار محورية الدين في الثقافة
بناء على النظرية المختارة للعلاقة بين الدين والثقافة وكذلك تبيين مستويات أو أنواع الثقافة وضرورة حضور الدين في جميع المستويات نستطيع أن نحصل على نتائج أكثر تطبيقية. في الماضي وبعد الثورة تم طرح أبحاث جدلية في هذا المجال منها علاقة الدين بالتنمية الثقافية والدين والحضارة والدين والعولمة والدين والعلم ومواضيع من هذا القبيل. بناء على المواضيع المطروحة سابقاً نستطيع أن نصل في آن واحد إلى نتيجتين: أولاً: بغض النظر عن تفاصيل كل من المواضيع المذكورة أعلاه فإن المجرى الأساسي القابل للتحقق محدد في كل منها وثانياً: تشخيص الاستشراف المستقبلي للهندسة الثقافية للبلاد.

1/3- الدين والتنمية الثقافية

ما هي التنمية الثقافية؟ وما هي أهميتها؟ يمكننا تعريفالتنمية الثقافية بناء على المعنى المذكور للثقافة. الثقافة هي الاعتقادات المقبولة اجتماعياً والتي تتجلى في مجموعة من الآراء والاعتقادات والقيم والتصرفات وفي النهاية تتجلى في بعض المثل لذلك فإن التنمية الثقافية تطلق على توسعة المثل والثوابت في الأقسام الثلاثة وهي الفكر والأخلاق والعمل.ويجب على الهندسة الثقافية أن تؤدي إلى التطور والتوسعة في الثقافة.

تتحقق التنمية الثقافية من وجهة نظر الإسلام عندما يجري التنوع والكثرة في المواضيع المذكورة بشكل منسجم وحول محور تكامل العبادة. النظرة الصحيحة في التنمية الثقافية أن البشر حسب الاتجاه الصحيح أو الخاطئ الذي يأخذونه في الحياة يستطيعون أن يؤسسوا لثقافة مطلوبة وصحيحة أو ثقافة عفنة زائلة في المجتمع. لذلك فإن إدارة التنمية الثقافية لها أهمية خاصة.

من جهة أخرى فإن عاملين يمنعان من سير التغير الثقافي في المجتمع هما كالآتي: الأول: ثبات الدين أو التعاليم الدينية الثاني: أهمية وقيمة البقاء والديمومة الثقافية. إن التغييرات الثقافية – من حيث الحجم والكيفية – يجب ألا تؤدي إلى التمزق الثقافي وألا تقطع صلة المجتمع بالثقافة الماضية والمقبولة من قبله. إن ثبات واستقرار الدين لا يكون مانعاً في وجه التنمية الثقافية إلا إذا ترافق مع أمرين اثنين: 1-  أن تكون التعاليم الدينية ناقصة وغير خالدة 2- عدم التميز والتطور في المعارف الدينية.

بعد شرح أهمية وضرورة التنمية الثقافية فإن ذكر الموانع – وفي حال تم تجاوزها – وكذلك العوامل المساعدة في التنمية الثقافية سوف تكون مفيدة في توضيح البحث.

أهم موانع التنمية الثقافية هي:

المانع الأول: الجمود والتحجر.

المانع الثاني: الاعتقاد بالخرافات في الثقافة.

المانع الثالث: روحية التقليد والاستهلاكية في الثقافة.

المانع الرابع: عدم وجود البنى الثقافية المناسبة.

إن الموانع المذكورة أعلاه تهدينا بدورها إلى العوامل المساعدة في التنمية الثقافية. لأنه وعندما نستطيع أن نتغلب على الموانع المذكورة نكون في الحقيقة قد قربنا البلد خطوة إلى الأمام باتجاه التنمية الثقافية. ولكن روح الكلام هو أن يجب أن يصبو المجتمع إلى الكمال وأن يكون ذا محورية إلهية كي يستطيع الوصول إلى التنمية الثقافية. وما يضمن تحقق التنمية الثقافية على أرض الواقع  هو ( التخطيط ) و ( وضع السياسات ) و ( الإدارة الثقافية ).

3/2- الدين و بناء الحضارة

من النتائج الأخرى لمحورية الدين في بناء الثقافة ضرورة الاهتمام بالعلاقة بين الدين وبناء الحضارة. يوجد علاقة وثيقة بين الدين والحضارة لدرجة أن بعضهم قد اعتبرهما شيئاً واحداً.

يمكننا أن نستنتج مما قد نسب إلى ( هيغل ) إلى أن هناك اختلافاً بين مجال الثقافة والحضارة. ولكن البعض الآخر له رأي مخالف لهذه النظرة حيث يرى بأن للثقافة والحضارة معنى واحداً. معظمهم قد رجع لتعريف ( تايلر ).

إذا تجاوزنا قضية كون الثقافة والحضارة شيئاً واحداً أو شيئين منفصلين فإن معظم النظريات تقبل بأن هناك ثنائية بين الثقافة والحضارة. ولكن هذه الثنائية لا تؤدي إلى الانفصال أو إلى الوحدة. إننا نرى في هذا التحليل اختلافاً في الرؤى.

في النهاية هناك مجموعة من وجهات النظر والتي مع تبنيها لوجود تغاير بين الثقافة والحضارة إلا أنهاتراهما مكملين بعضهما لبعض بشكل أو بآخر[1].

على كل حال وبناء على التعريف المذكور للثقافة فإن التعريف الذي نستطيع استنتاجه للحضارة هو أنها بيئة الحياة البشرية. بيئة الحياة البشرية هي مجموعة من العوامل والظروف والبنى والمؤسسات التي يقوم الإنسان من خلالها بتلبية حاجاته. الحضارة هي الجانب العيني والتجسمي للثقافة. إذا لم تتجلى الثقافة وتظهر بقالب الحضارة لن يكون لها إمكانية التحقق العيني ولن يكون هناك حاضنة من أجل تحقق الشعارات والنماذج والقيم المشكلة لتلك الثقافة المطلوبة.

ونتيجة لذلك فإن العلاقة المقبولة بين الدين والثقافة تقبل أيضاً بين الدين والحضارة. بمقدار ما نستطيع التحدث عن الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية يمكننا التحدث عن الحضارة الإسلامية وغير الإسلامية لذلك فإن الهندسة الثقافية للبلد يجب أن تؤدي إلى بناء الحضارة الإسلامية. فقط في هذه  الحالة  تتبدل الثقافة الإسلامية من القلم والورقة إلى العمل والمثال الحقيقي وبكلمة واحدة إلى نمط واقعي للحياة.

 3/3- الدين والعولمة

يجب أن يتم رسم و وضع الهندسة الثقافية للبلد مع الأخذ بعين الاعتبار سير عملية العولمة. من جهة أخرى وبناء على النظرية المنتخبة في العلاقة بين الدين والثقافة من الأمور الأخرى التي – حول محورية الدين

في بناء الثقافة – تبدو أهميتها، هي الموقف الذي يجب أن يؤخذ من النظرة الدينية من العولمة.  

إن المقدار المشترك الذي يلاحظ في موجة العولمة، هو تضاؤل أهمية الحدود الجغرافية، العرقية والحدود المذهبية في علاقات الثقافات والحضارات بعضهامع بعض.

لقد ظهرت العولمة بشكل معقد وبماهية مزدوجة، فمن جهةوبقبول الثقافات الصغيرة والإمكانات المحلية، تسير بالعالم نحو الكثرة والتنوع و من جهة أخرى ومن خلال إظهار ثقافة معينة، تسخر وتؤثر على الثقافات و الهويات الفرعية والمحلية . إن للعولمة أبعاداً متنوعة وجامعة سياسية كانت أم ثقافية أم اقتصادية أم اجتماعية.

لقد بين بعض مفكري الغرب ومن بينهم (توينبي)، و بصراحة أكبر ماهية الثقافة العالمية. لقد أورد (أرنولد توينبي) المؤرخ الانكليزي في كتاب (مطالعة التاريخ) ما يلي: (نحن أبناء الحضارة الغربية المعاصرة نسير فقط نحو الأمام  ولا يوجد حولنا أي شيء سوى الحضارات المنهارة... حسب معلوماتنا يوجد حتى الآن ست عشرة حضارة منهارة وتسع حضارات أخرى تحتضر الآن).[2] إن موسوعة أمريكانا تتنبأ أيضا أن الوضع الراهن يسير نحو إلغاء التنوع الثقافي: (على أي حال ينمحي التنوع المطلق للثقافات على الأرض ظاهرياً حيث أدى توسع الأساليب الصناعية في المجتمعات الغربية على مستوى العالم إلى التأثير على كثير من الاختلافات المتميزة لتستبدل بها الأشكال الصناعية للمدن)[3].

المهم هو أن نستطيع معرفة وتحديد موقفنا الأساسي حول كيفية مواجهتها بعد المعرفة المجملة لهذه الظاهرة. يمكن تصور عدة احتمالات في هذا المجال:

1-  الانقطاع عن الوضع الراهن للعالم.

2-  الارتباط والسير بشكل كامل مع الظروف الراهنة.

3-  السعي لإيجاد مكان هامشي في المنظومة العالمية الراهنة.

4-  السعي لإيجاد موقع مواز للثقافات المنافسة.

5-  السعي إلى عولمة ثقافة الإسلام و تهميش الثقافة المادية الغالبة اليوم.
وبناء على أسس الفكر الديني فإن الثقافة الإسلامية ثقافة شاملة للعالم لها قدرة الإجابة عن حاجات البشر في كل الأزمنة. إن ثقافة الإسلام، هي ثقافة قد رسمت غاية مشعةوواضحة للمجتمعات البشرية وهي ليست سوى ظهور الدولة العالمية والعادلة المهدوية و واقع حال ومستقبل البشر ليس مفصولاً عن هدفها المبتغى الذي تتحرك نحوه. إن ثقافة الإسلام، هي ثقافة لا تتصالح مع الثقافة المادية المنحطة وتسعى لإزالة وقض مضاجع امتداد الكفر والنفاق في العالم. في المقابل فإن الثقافة المادية أيضاً، لا تستطيع تحمل القبول بالعيش المشترك المسالم مع الثقافة الإسلامية الأصيلةهذا الأمر يستدل عليه من المصادر الإسلامية والاعتقادية ومن التجارب السابقة للمواجهات التاريخية لهاتين الثقافتين. وعلى هذا الأساس ومع النظر للمستقبل يجب أن تكون خطواتنا الحالية  مبنية على الواقع و متينة. النظر إلى المستقبل هو، أن  يكون للإسلام القدرة على إيجاد ثقافة وحضارة جديدة ومنقذة للبشرية وأن تكون أكبر من الثقافة الغربية بمراحل، حيث إن الثقافة الغربية استطاعت من خلال الاستناد إلى العقل والتجربة البشرية القليلة فقط أن تصل إلى تحقيق الإنجازات الحالية. أما تحقيق هذا الهدف والشعار فيكون بشكل تدريجي وبالاستناد إلى الإمكانيات الحقيقية. إن هذه القضية لا تتحقق بشكل فجائي وبسرعة، لذلك يمكن التأكيد والقبول ببعض النظريات كالرؤية المذكورة سابقاً كي تشكل خطوة لطي المراحل لذلك سيكون التوقف على نهج كهذا واعتبار ما تم التوصل إليه النقطة المطلوبة هو الخطأ بعينه
[4]!

ولكن تقوية هذا الفكر لا يعني أن نغلق باب التبادل الثقافي والتقبل الثقافي  بشكل كامل أو افتراض أنه على خطأ. فيمكن اتخاذ مواقف مختلفة ومتعددة بناء على ما يتم قبوله من العناصر الثقافية تحت أي شكل و ضمن أية ظروف. حتماً لا يمكن النظر إلى أي ثقافة على أنها سوداء ومظلمة بشكل كامل و إلى ثقافة أخرى على أنها منيرة وغير منقوصة أبداً. ولكن ما هو مسّلم و أكيد حتما هو أنه  لا يمكن إتمام إنجاز الهندسة الثقافية للبلد دون المعرفة اليقظة والنظر إلى المستقبل  وللتبدلات الثقافية على الصعيد العالمي.

في النهاية يجب التذكير أنه ما تم قوله هو الوضع المثالي لتأثير الدين في بناء الثقافة أما واقع المجتمع فمازال يبتعد مسافة عن هذا الوضع المثالي. بعد هذا الوصف  فإن النظرية المطروحة تمتلك خاصية إيجاد الاتجاه الصحيح في هندسة ثقافة البلد كي يقترب منها بناة الثقافة وبناة المجتمع يوماً بعد يوم. إذا استطاعت هذه المقالة أن تبين شاقول الحركة في الهندسة الثقافية بشكل واضح وكبير، فهي تكون قد أدت رسالتها. إن المقاطع التي أشير إليها في نص المقالة وكذلك المعيار المقدم يمكن التفصيل بشأنه بمقدار اتساع الثقافة والهندسة الثقافية قهراً.   



[1]. جنكيز بهلوان، علم الثقافة، ص62

[2]. Arnold Toyebee, A Study of History: abidged by D.C: somervell. (oxford, Oxford universityPress, 1946), pp. 55-4

[3]نقلا عن سين بشيرية، النظريات  الثقافية في القرن العشرين، ص142 
[4].عليرضابيروزمند،حوارالحضاراتوظاهرةالعولمة،المؤتمرالدوليلحوارالحضارات،ص18-21منالمقالةالأصلية،  الانتباهإلىأنهذهالمقالةتمنشرهافيمجموعةمقالاتالمؤتمرالدوليلحوارالحضاراتمنوجهةنظرالشبابفيعام2004بشكلناقصوالجزءالمتعلقبهذاالبحثغيرموجودفيها.

                                                                                                 


@جميع حقوق هذا الموقع محفوظة و مملوكة للمجلس الأعلي للثورة الثقافية